تركيا وروسيا.. “مناورات” كلامية قبل العملية المحتملة في الشمال السوري

منذ مطلع شهر يونيو الحالي كثّف المسؤولون الروس من تصريحاتهم المتعلقة بالعملية العسكرية التي تهدد بها تركيا في شمال سوريا، وفي الوقت الذي لم يعلنوا صراحة عن موقف موسكو بالقبول أو الرفض، ناورا في كلماتهم على أكثر من اتجاه.

في الثاني من الشهر المذكور أعربت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا عن “أمل موسكو في أن تمتنع أنقرة عن الأعمال التي قد تؤدي إلى تدهور خطير للأوضاع في سوريا”، واعتبرت أن ضمان الأمن على الحدود لا يمكن “إلا بنشر قوات الأمن السورية”.

بعدها بيوم واحد نصح نائب وزير الخارجية، ميخائيل بوغدانوف بعدم “الانخراط في وضع توقعات افترضية بشأن العملية العسكرية التركية”، فيما تحدث في سياق آخر عن اتصالات “سياسية وعسكرية” بين أنقرة وموسكو، ومن ثم رمى الكرة في ملعب اللقاء الذي حصل بين الوزير سيرغي لافروف ونظيره التركي، مولود جاويش أوغلو.

وخلال مؤتمر صحفي جمع الوزيرين عقب الزيارة التي حصلت في أنقرة، 8 من يونيو، قال لافروف إن روسيا “تأخذ بالحسبان قلق أصدقائها الأتراك حيال تهديدات القوى الأجنبية على حدودهم”، مذكرا باتفاقي “سوتشي” لمناطق شمال وشرق سوريا ومحافظة إدلب شمال غرب.

وبينما بقيت نبرة التصعيد قائمة من الجانب التركي بخصوص “العملية المحتملة” استمر المسؤولون الروس بالتصريح، ليرسو أخيرا على المبعوث الخاص إلى سورية، ألكسندر لافرنتيف.

وفي أعقاب الجولة 18 من “محادثات أستانة” التي عقدت قبل يومين بمشاركة “الوفود الضامنة” التركية-الروسية-الإيرانية، قال لافرنتيف إن “موسكو تأمل أن يمتنع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن تنفيذ العملية العسكرية”.

وأضاف في حوار مع وكالة “ريا نوفوستي” الجمعة: “بذل الوفد الروسي خلال محادثات أستانة قصارى جهده لمحاولة إقناع الوفد التركي بالنتائج المضادة لهذه الخطوة، والتي يمكن أن تكون لها عواقب سلبية بعيدة المدى”.

وتطرق المسؤول الروسي، ضمن سياق حديثه، إلى الخطوة التي اتخذتها أنقرة، مؤخرا، بإغلاق أجوائها أمام الطائرات الروسية المتوجهة إلى سوريا”، كاشفا عن “آثار سلبية أسفرت عن صعوبات لوجستية في الإمداد”.

كما أعلن عن اتصالات بين بلاده وتركيا في هذا الشأن، وأن “أنقرة تبدي استعداداها لفتح الأجواء، لكن لسبب ما لم يفتحوها بعد”.

ماذا وراء الكواليس؟

حسب ما أعلن إردوغان لأكثر من مرة طوال الأسبوعين الماضيين فإن العملية التي يهدد بها ستستهدف منطقتي تل رفعت ومنبج في ريف حلب الشرقي.

وهاتان المنطقتان تخضعان لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، بينما تنتشر فيهما الشرطة العسكرية الروسية، وقوات تتبع للنظام السوري.

وتعتبر منبج المدينة الوحيدة الواقعة غرب الفرات التي تسيطر عليها “قسد”، وهي محاطة بقوات عسكرية للأطراف الأخرى.

أما تل رفعت فهي تعتبر نقطة الاتصال الوحيدة لـ”قسد” مع منطقة عفرين، التي خسرت السيطرة عليها في مارس عام 2018.

يرى أنطون مارداسوف وهو محلل روسي وباحث غير مقيم في برنامج سوريا في معهد الشرق الأوسط أنه “لا يمكن لروسيا الموافقة علنا على العملية التركية، وتبرهن على برغبتها في منعها من التحليق الجوي إلى منطقة القامشلي وأنشطة أخرى”.

لكن وبمثل هذه الإجراءات يقول مارداسوف إن “موسكو تحاول كما في السابق إجبار الأكراد على التسوية مع الأسد”، مشيرا: “من الواضح أن الأكراد يدركون ذلك جيدا، لكنهم سيكونون حذرين، طالما أنهم مدعومون من الولايات المتحدة”.

وبالصورة العامة “تلعب روسيا في نفس الحزمة مع تركيا، في محاولة لإضعاف الدولة الكردية على الجانب الشرقي من نهر الفرات، لأن هذه أداة بالنسبة لموسكو لإثارة التناقضات داخل حلف الناتو”.

وبالإضافة إلى ذلك يضيف المحلل الروسي لموقع “الحرة” أن “إضعاف قسد هو الموضوع الحقيقي الوحيد، الذي يمكن للجهات الفاعلة مناقشته خلال محادثات أستانة”.

من جانبه اعتبر الباحث السياسي المختص بالشأن التركي، محمود علوش أن المعارضة المعلنة للعملية العسكرية التركية المحتملة “لا تعني أن موسكو تُغلق الباب أمام إمكانية التفاهم مع أنقرة بهذا الخصوص”.

ويقول لموقع “الحرة”: “طالما أن هذا الاعتراض لا يتجاوز حدود الموقف السياسي فلا يُمكن اعتباره تهديدا للعملية التركية”.

واعتبر الباحث أن “موسكو حريصة على عدم إظهار أن التحرك العسكري التركي جاء نتيجة تفاهمات خلف الكواليس معها، لأنّ من شأن ذلك أن يُضر بعلاقاتها مع دمشق وطهران”.

الكرة في ملعب من؟

في مقابل ما يجري بين الروس والأتراك بخصوص الملف السوري، والتهديدات المتعلقة بالعملية العسكرية شمال سوريا، كانت الولايات المتحدة الأميركية قد أبدت موقفها مؤخرا بأنها ترفض أي “تهديد لاستقرار المنطقة”.

وفي أكثر من مناسبة وخلال الأيام الماضية تكرر الموقف الأميركي المذكور، لكنه لم يصل إلى الحد الذي اتخذته موسكو في التعليق وإبداء الموقف حيال التهديدات التركية. حيث انسحب ذلك على لسان معظم المسؤولين السياسيين الروس الكبار.

ويعتقد المحلل الروسي، ديمتري بريجف أن “روسيا تريد إبقاء الوضع كما هو عليه الآن في سوريا”، وأن “قسد لا تهدد مصالح روسيا ولا مصالح حلفائها في المنطقة”.

ويقول لموقع “الحرة” إن “ذهاب تركيا للسيطرة على مناطق كانت تسيطر عليها قسد بدعم من ما يسمى الجيش الوطني السوري قد يغير خريطة النفوذ”، مشيرا إلى أن “روسيا ترى في قوات المعارضة تهديدا مستقبليا للمصالح الروسية ومصالح دمشق”.

لكن ضمن الحوار الذي أجرته “ريا نوفوستي” قال المسؤول الروسي ألكسندر لافرنتيف إن بلاده “لن تقاتل القوات التركية والجيش الوطني السوري الخاضع لسيطرة أنقرة”.

وأضاف: “ليس لدينا وحدات قتالية هناك. جوابنا هو محاولة إقناع الأتراك بعدم جدوى هذه الخطوة”، في إشارة منه للتهديدات المتعلقة بتل رفعت ومنبج.

ويوضح المحلل الروسي أنطون مارداسوف أنه “وبالنسبة للمساومة فإن روسيا وتركيا تناقشان دائما كل شيء في إطار صفقات المقايضة. لكنهما تنفيان ذلك علنا حفاظا على ماء الوجه”.

وإلى جانب التهديدات التركية يترقب المجتمع الدولي اليوم التصويت الذي سيجري في مجلس الأمن، في يوليو المقبل، لتمديد إيصال المساعدات الإنسانية عبر معبر باب الهوى.

وبالتوازي مع ذلك يثير الروس طلبهم بإعادة فتح الأجواء التركية أمام طائراتهم المتوجهة إلى سوريا، “لخفض التكاليف اللوجستية”.

ويشير مارداسوف إلى أنه “وفي حالة آلية المساعدة عبر الحدود تعمل أنقرة كوسيط بين روسيا والولايات المتحدة، حيث لم يعد بإمكان موسكو وواشنطن مناقشة هذه المسألة على أساس ثنائي”.

علاوة على ذلك وفي واقع العقوبات الحالية، يرى المحلل الروسي أن “تركيا تعد لاعبا مهما للغاية بالنسبة لروسيا في الالتفاف على العقوبات، بينما تهتم أنقرة أيضا بإمدادات الغاز وتدفق السياح واستكمال محطة أكويو للطاقة النووية”.

وزاد: “لذا فإن لدى روسيا وتركيا مساحة كبيرة للمساومة”.

وذلك ما يشير إليه الباحث محمود علوش من جانب آخر، بقوله: “بالنّظر إلى أن روسيا تُسيطر عمليا على الأجواء السورية في منطقة غرب الفرات، فإنه لن يكون بمقدور تركيا استخدام قوتها الجوية في العملية من دون تفاهم مع موسكو”.

 

ويضيف أن “ما تُريده تركيا هو عدم وجود عراقيل عسكرية روسية تُقيد قدرتها على الحركة في تل رفعت ومنبج. عندها لن تكون المعارضة الروسية للعملية ذي أهمية كبيرة بالنسبة لأنقرة”.

أما المحلل ديمتري بريجع فيعتقد أن “هناك تفاهمات بين روسيا وتركيا. الأخيرة يمكن أن تفتح المجال مقابل تنازلات أو أشياء يمكن أن تقدمها روسيا. مثل ملف الطاقة والغاز”.

“مشكلة أخرى”

وتعتبر “قوات سوريا الديمقراطية” روسيا طرفا “ضامنا” للاتفاق الذي حصل عقب عملية “نبع السلام” في شمال وشرق سوريا، أواخر عام 2019.

وفي تصريحات سابقة لموقع “الحرة” قال قائد “مجلس منبج العسكري” التابع لـ”قسد”، شرفان درويش إنهم “يراقبون الأوضاع والتحركات، ويأخذون التهديدات التركية بجدية، ويقومون بتحضيراتهم على هذا الأساس”.

وأضاف القيادي: “هناك مركز تنسيق العمليات الروسي في منبج، وهم متواجدون في منبج”. وتابع: “هم مطالبون بالقيام بدورهم كضامنين، ونحن على أمل أن لا تنجر المنطقة إلى حروب جديدة تضر بالجميع والمدنيين خاصة”.

وفي 22 من أكتوبر 2019، وبعد مباحثات طويلة بين الرئيسن الروسي والتركي، توقفت عملية “نبع السلام” التركية، واتفق الجانبان على سحب كل “وحدات حماية الشعب” من الشريط الحدودي لسوريا بشكل كامل، بعمق 30 كيلومترا، وخلال 150 ساعة، إضافة إلى سحب أسلحتها من منبج وتل رفعت.

وفسح الاتفاق المجال أمام قوات النظام السوري للدخول إلى مناطق شرق الفرات للمرة الأولى منذ عام 2012، ضمن تفاهمات مع “قسد”، وبالتزامن مع بدء الجيش الأمريكي لإخلاء بعض المواقع في سوريا، حينذاك.

إضافة إلى تسيير دوريات تركية وروسية مشتركة غرب وشرق منطقة عملية “نبع السلام” بعمق عشرة كيلومترات، باستثناء مدينة القامشلي.

وما تزال هذه الدوريات مستمرة حتى الآن، فيما اتجهت موسكو لتكثيفها خلال الأيام الماضية على طول الحدود الشمالية لسوريا، إلى جانب استقدام تعزيزات بينها منظومة دفاع جوي نوع “بانتسير” إلى قاعدة القامشلي.

ورغم الاتصالات المكثفة بين أنقرة وموسكو إزاء الوضع في شمال سوريا، إلا أن الباحث محمود علوش يشير إلى “مشكلة أخرى تواجه أنقرة، وتتمثل في تهديد النظام وإيران، بمواجهة أي هجوم تركي جديد”.

واعتبر الباحث أن “هذا الأمر يزيد من مخاطر الصدام العسكري بين الطرفين”، ولذلك “سيتعين على روسيا لعب دور كبير لمنع حدوث مثل هذا الصدام”.

بينما أشار من جانب آخر إلى أن “القيود التي فرضتها تركيا على حركة وصول روسيا إلى سوريا بعد الحرب الأوكرانية تسببت بمشاكل لوجستية عديدة للقوات الروسية في سوريا”، موضحا “الروس يُريدون استغلال حاجة إردوغان للتحرك العسكري ضد الوحدات الكردية، من أجل الضغط على أنقرة لتخفيف هذه القيود لا سيما عبر المجال الجوي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق